أبو حامد الغزالي

112

تهافت الفلاسفة

[ الدليل ] الأول ما تمسك به « جالينوس » إذ قال : لو كانت الشمس مثلا تقبل الانعدم ، لظهر فيها ذبول في مدة مديدة ، والأرصاد الدالة على مقدارها منذ آلاف السنين لا تدل إلا على هذا المقدار ، فلما لم تذبل في هذه الآماد الطويلة ، دل على أنها لا تفسد . الاعتراض عليه من وجوه . الأول : أن شكل هذا الدليل أن يقال : إن كانت الشمس تفسد ، فلا بد أن يلحقها ذبول ؛ لكن التالي محال ، فالمقدم محال ، وهذا قياس يسمى عندهم « الشرطي المتصل » ، وهذة النتيجة غير لازمة ، لأن المقدم غير صحيح ، ما لم يضف إليه شرط آخر ، وهو قوله : إن كانت تفسد فلا بد أن تذبل ، فهذا التالي لا يلزم هذا المقدم « 1 » إلا بزيادة شرط وهو أن نقول : إن كانت تفسد فسادا ذبوليا فلا بد أن تذبل في طول المدة ؛ أو يبين « 2 » أنه لا فساد إلا بطريق الذبول حتى يلزم التالي للمقدم ، ولا نسلم له أنه لا يفسد الشئإلا بالذبول ، بل الذبول ، أحد وجوه الفساد ، ولا يبعد أن يفسد الشئ بغتة وهو على حال كماله . الثاني : أنه لو سلّم له هذا ، وأنه لا فساد إلا بالذبول ، فمن أين عرف أنه لا يعتريها الذبول ؟ ! أما التفاته إلى الأرصاد فمحال ، لأنها لا تعرّف مقاديرها إلا بالتقريب ، والشمس التي يقال : إنها كالأرض مائة وسبعين مرة « 3 » ، أو ما يقرب

--> ( 1 ) يشير إلى : إن كانت الشمس تفسد فلا بد أن تذبل . ( 2 ) معطوف على « يضف » أي أو ما لم يبين . ( 3 ) هذا رأى المتقدمين . أما العلم الحديث فقد أثبت أنها أكبر من ذلك بكثير .